يحيي بن حمزة العلوي اليمني

45

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وأمّا ثالثا : فربمّا كانت اللفظة المجازية جارية على الأقيسة الصحيحة في تصريفها في بيانها ، والحقيقة منحرفة عن ذلك فلهذا عدل إلى استعمال اللفظة المجازية من أجل ذلك . المقصد الثاني ما يرجع إلى المعنى على الخصوص وذلك من أوجه ، أمّا أولا : فلأجل التعظيم كما يقال : سلام على الحضرة العالية والمجلس الكريم ، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيما لحال المخاطب ، وتشريفا لذكر اسمه عن أن يخاطب بلقبه فيقال : سلام على فلان . وأمّا ثانيا : فلأجل التحقير كما يعبر عن قضاء الوطر من النساء بالوطء وعن الاستطابة بالغائط ويترك لفظ الحقيقة استحقارا له ، وتنزّها عن التلفظ به لما فيه من البشاعة والغلظ وقد نزّه تعالى كتابه الكريم وخطابه الشريف عن مثل هذه الأمور ، وعدل إلى المجازات الرشيقة لما ذكرناه فقال : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ] كناية عن الوطء وقال تعالى : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 43 ] كنى به عن قضاء الحاجة لما في لفظ الحقيقة من الرّكّة والسماجة . وأما ثالثا : فلأجل تقوية حال المذكور فإذا قلت رأيت أسدا كان أقوى من قولك رأيت رجلا يشبه الأسد كما سنورد الفرق بين الاستعارة والتشبيه ، فلا جرم عدل إلى المجاز لمكان هذه القوة . وأمّا رابعا : فلما يحصل في المجاز من التوكيد بخلاف الحقيقة ، فأنت إذا قلت : رأيت أسدا في سلاحه ، وبحرا في برديه ، كان أكثر تأكيدا ووقعا في النفوس من قولك : رأيت رجلا كريما أو شجاعا لما يحصل في ذلك من المكانة والمبالغة بذكر المجاز دون الحقيقة . المقصد الثالث ما يرجع إلى اللفظ والمعنى جميعا لما يحصل في المجاز من تلطيف الكلام وحسن الرشاقة فيه ، وتقرير ذلك هو أن النفس إذا وقفت على كلام غير تامّ بالمقصود منه تشوقت إلى كماله فلو وقفت على تمام المقصود منه لم يبق لها هناك تشوّق أصلا ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن لم تقف على شيء منه فلا شوق لها هناك ، فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون بعض فإن القدر المعلوم يحصل شوقا إلى ما ليس بمعلوم ، فإذا عرفت هذا فنقول : إذا عبّر عن المعنى باللفظ الدال على الحقيقة حصل كمال العلم به من جميع وجوهه ، وإذا عبّر عنه